ابن خلدون
271
تاريخ ابن خلدون
إرادة انتقام بعض البشر من بعض ويتعصب لكل منها أهل عصبيته فإذا تذامروا لذلك وتوافقت الطائفتان إحداهما تطلب الانتقام والأخرى تدافع كانت الحرب وهو أمر طبيعي في البشر لا تخلو عنه أمة ولا جيل وسبب هذا الانتقام في الأكثر إما غيرة ومنافسة وإما عدوان وإما غضب الله ولدينه وإما غضب للملك وسعي في تمهيده فالأول أكثر ما يجري بين القبائل المتجاورة والعشائر المتناظرة والثاني وهو العدوان أكثر ما يكون من الأمم الوحشية الساكنين بالقفر كالعرب والترك والتركمان والأكراد وأشباههم لأنهم جعلوا أرزاقهم في رماحهم ومعاشهم فيما بأيدي غيرهم ومن دافعهم عن متاعه آذنوه بالحرب ولا بغية لهم فيما وراء ذلك من رتبة ولا ملك وإنما همهم ونصب أعينهم غلب الناس على ما في أيديهم والثالث هو المسمى في الشريعة بالجهاد والرابع هو حروب الدول مع الخارجين عليها والمانعين لطاعتها فهذه أربعة أصناف من الحروب الصنفان الأولان منها حروب بغي وفتنة والصنفان الأخيران حروب جهاد وعدل وصفة الحروب الواقعة بين أهل الخليقة منذ أول وجودهم على نوعين نوع بالزحف صفوفا ونوع بالكر والفر أما الذي بالزحف فهو قتال العجم كلهم على تعاقب أجيالهم وأما الذي بالكر والفر فهو قتال العرب والبربر من أهل المغرب وقتال الزحف أوثق وأشد من قتال الكر والفر وذلك لان قتال الزحف ترتب فيه الصفوف وتسوى كما تسوى القداح أو صفوف الصلاة ويمشون بصفوفهم إلى العدو قدما فلذلك تكون أثبت عند المصارع وأصدق في القتال وأرهب للعدو . لأنه كالحائط الممتد والقصر المشيد لا يطمع في إزالته وفي التنزيل إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص إي يشد بعضهم بعضا بالثبات وفي الحديث الكريم المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا ومن هنا يظهر لك حكمة إيجاب الثبات وتحريم التولي في الزحف فإن المقصود من الصف في القتال حفظ النظام كما قلناه فمن ولى العدو ظهره فقد أخل بالمصاف وباء بإثم الهزيمة إن وقعت وصار كأنه جرها على المسلمين وأمكن منهم عدوهم فعظم الذنب لعموم المفسدة وتعديها إلى الدين بخرق سياجه فعد من الكبائر ويظهر من هذه الأدلة أن قتال الزحف أشد عند الشارع وأما قتال الكر والفر فليس فيه